الخطيب البغدادي
256
تاريخ بغداد
سلمة الغنوي : قلت لأبي العتاهية : ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد ؟ قال : إذا والله أخبرك ، إني لما قلت : الله بيني وبين مولاتي * أهدت لي الصد والملالات منحتها مهجتي وخالصتي * فكان هجرانها مكافاتي هيمني حبها وصيرني * أحدوثة في جميع جاراتي رأيت في المنام في تلك الليلة كان آتيا أتاني فقال : ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى ؟ فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أخبرنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر الطوماري ، حدثنا أبو العباس المبرد عن الرياشي . قال : أقبل أبو العتاهية ومعه سلة محاجم ، فجلس إلينا وقال : لست أبرح أو تأتوني بمن أحجمه ، فجئنا ببعض عبيدنا ، فحجمه ثم أنشأ يقول : ألا إنما التقوى هي العز والكرم * وحبك للدنيا هو الذل والعدم وليس على عبد تقى نقيصة * إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، حدثنا محمد ابن أحمد بن البراء قال : حدثت عن يحيى بن معين قال : سمعت أبا العتاهية ينشد : ألا إنما التقوى هي العز والكرم * وحبك للدنيا هو الذل والسقم وذكر البيت الثاني مثل ما تقدم . أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، حدثنا أحمد بن محمد ابن إسحاق الوراق ، حدثنا أحمد بن عبد الله الكوفي ، حدثنا ابن أبي شيخ قال : بكرت إلى سكة ابن نيبخت في حاجة ، فرأيت أبا نواس في السكة ، فجلست إليه فمر بنا أبو العتاهية على حمار ، فسلم ثم أومأ برأسه إلى أبى نواس وأنشأ يقول : لا ترقدن لعينك السهر * وانظر إلى ما تصنع الغير * انظر إلى غير مصرفة * إن كان ينفع عينك النظر وإذا سألت فلم تجد أحدا * فسل الزمان فعنده الخبر أنت الذي لا شيء تملكه * وأحق منك بمالك القدر قال : فنظر لي أبو نواس ثم قال : ( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) [ الطور 15 ] .